لا تُحقَّق الحريةُ ولا تُصان إلاَّ بتكريس العدالة
Liberty is never attained and preserved unless justice is done
لا تُكرَّس العدالة في المجتمع دون تشريعٍ صالح
Justice in society is not settled if deprived of righteous legislation
لا يُحافظ على الحريات وعلى الحقوق الفردية والجماعية بظلِّ تغييب القوانين
Individual and collective liberties and rights are not protected under covered laws

متفرقات سياسية

                           أعان الله لبنان

أعانَ الله لبنان.. وشعبَه العنيد.. وكرامتَه التي لا تُهدر.. ومقاومته التي لن تُهزم..

فلقد أسسوه على صيَغ ومواثيق غير مكتوبة أو مدوّنة ولو بحبرٍ رخيص فوق قصاصةِ ورقٍ ولو أصفرَ شاحب..

ثمّ جعلوه مقرّاً لأمراض وجراثيم الطائفية والفئوية..

فحصروا تارةً طوائف في مناطق..

أو قوّموا دونَ وجهِ حقّ طوائف على طوائف وأوكلوها ببعضِها البعض..

ثمّ جعلوه مطيّةً لغاياتِهم وأهدافهم ومصالحهم الشخصية والفئوية..

ادّعوا الوطنية وحبَّ الوطن فيما تعاملوا مع كل دول الأرض على حساب لبنان..

بما في ذلك العدو المتربّص بأرضِه.. والمعتدي عليه آلافاً مؤلّفة من المرات..

فتآمروا على سيادتِه ومصيره واجتاحوه وكبّلوه ودمّروه..

فراكموا الثروات في خزائنهم.. وراكموا الديون في خزينته.. وقتلوا وسجنوا ونفوا وظلموا.. من شاؤوا.. من أبنائه.. كيفما شاؤوا.. ووقتما شاؤوا..

ثمّ جعلوه لعبةَ بورصة وعملة بين دولارٍ وليرة أيام الأمين دون أمانة.. فأفلسوا الليرة والاقتصاد والدولة..

ثمّ تحاربوا فوق أرضه ووجهوا جيشه وقواه يمنةً ويسرةً.. تارةً ضدّ جارٍ وتارةً ضدّ لاجئ وطوراً ضدّ حزبٍ أو تنظيمٍ حتى أنهكوه..

ثم جاؤوا ليبنوه من جديد.. فنهبوه وسرقوا أملاك بنيه.. وبنوا ما بنوه..

ثمّ أدخلوه لعبةَ الأحلاف والمحاور والرهانات والتهَم السياسية نحو المجهول..

فهل هم جديرون حقاً به وبحكمِه وبالسيادة عليه؟!

لا أعرف أكثر مما قلت غيرَ أنَّ لشعبِه في النهاية الخيار..

فلولا المعجزات.. لولا القوى الخفيّة غير الظاهرة.. لولا العناية الإلهية.. لولا البطولات الحقيقية والتضحيات.. لولا الأسرار الكونية التي أدارت العالم كما تُدار عقارب الساعة..

لما كانَ اليوم لبنان.. لما بقيَ لبنان.

                          الأرصاد الجوية

الأرصاد الجوية في المنطقة العربية تدلّ في مصداقيتها على مدى مصداقية العرب.

فإذا لم يتمّ الإفصاح عن درجات الحرارة الحقيقية وأُذيعت 35 بدل 50، فبرمجنا يومنا على هذا الأساس ومضينا من الصباح حتى المساء لإنهاء أعمالنا ومختلف شؤوننا، وعدنا منهكين في حالة أشبه بالهذيان والأعصاب المنهارة والمعدة المسهولة ..الخ

فماذا نتوقع عندها من الأرصاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟!

لا شكّ أنها ستكون صادقة كالأرصاد الجوية، لا بل أكثر صدقاً!!

                              العربُ والناس

العربُ خيرُ أمةٍ أُخرجت للناس فعلّمتهم: من مصر حروب الاستنزاف والسهر على إنجازات الثورة بعد القيام بالثورة، من لبنان المقاومة المحترفة ذات المستوى غير المألوف لدى حركات المقاومة في أي مكان بعملياتها النوعية والاستشهادية، والاعتصامات طويلة الأمد في وسط العاصمة مع نصب الخيم على شكل احتلال، من فلسطين العمليات الفدائية ورمي الحجارة على أي أهداف ومواجهة الحصار الطويل والمفروض على كل الشعب، من العراق استهداف آليات الاحتلال المتنقلة عن بُعد والمنطقة الخضراء التابعة له بتفجيرات هائلة واستهداف القوات الوطنية المتعاونة معه في مراكز تطوعها وخدمتها، من السعودية وأمكنة أخرى: السلفيّة والوهابيّة والإرهاب، من سوريا نوعاً جديداً من أنواع المعارضة الذي يستمرّ في التظاهر والاعتراض مهما تكبّد من خسائر في الأرواح والممتلكات، حتى يعطّل الاقتصاد والعمل وتنهار قيمة العملة ويبقى يلفت نظر العالم إليه، وأن لكلّ قصةٍ روايتين وأنه لا يمكن أن تعرف شيئاً حتى تتمكن من معرفة الحقيقة.

أي علمتهم هذه الأمة من العرب المشاكل على أنواعها وألوانها وأصنافِها، حتى باتوا يقلدونها في شتى الدول بما فيها أرقاها، ما دفعَ بالناس لرمي الحجارة ومحاولة الاختطاف والتفجير، وللاعتصام واحتلال المراكز والشوارع الاقتصادية ومواجهة الأمن والشرطة بكل عنف.

                             العبدُ الذليل

إن العبد الذليل لا يمكنه أن يمثّل أمة حرة لأنه يذلها. سعاده

إذا أردنا معرفة قصد سعادة من هذا القول، لا بدّ من معرفة من هو العبد الذليل الذي بإمكانه أن يذلّ أمةً لو مثّلها، وهل يمكن لأية أمةٍ في العالم ألاّ ترضى أن تكون حرةً بل ذليلةً ليمثّلها أذلاء؟!

والعاملُ البسيط أو المواطن العادي لا يمكنه تمثيل أمة، فمن إذاً بإمكانه أن يمثّل أمةً ليذلّها لو كانت حرةً، ولم يكن هو كذلك؟

لا ريبَ أن هذا القول لا يعني الناس البسطاء بل يعني الذين قد يتولّون مسؤوليةً عامةً أو حزبيةً أو رسمية.

والعبدُ في عصرِ سعادة وعصرنا ليس بالعبدِ التقليدي من التاريخ البعيد.

إذاً هو كما نفهم باستنتاجٍ منطقي المأجور لجهةٍ ما يتقاضى منها مالاً ويرهن قرار أمته ومصالحها لتلك الجهة. وهو الذي يبيعُ ويشتري في هذا الحال مواقف مبتذلة وسياسات جانبية مسيئة للمواقف القومية المشرفة وللسياسة التي يمكن أن تخدم قضايا الأمة، ويمكنه أن يعرّض بالتالي مصالحَ أمته سواء الكُبرى أو الصُغرى الممثلة بالحزب للامتهان أو للارتهان أو للتبعيّة.

لا أعني أحداً محدداً بالطبع ولستُ في هذا الوارد، إنما فكّرت في القول المكرر لمرات، ولم أجد تفسيراً غير تفسيري هذا، إلاّ إذا وجدَ أحدٌ منكم تفسيراً مغايراً.

                             ألم تفهموا بعد؟

بعد أن لاحظتُم وتأكّدتم وأيقنتم وفهمتُم أيها اللبنانيون، ألم تعترفوا بعد بالموهبة العظيمة التي يملكُها آل الحريري وأعوانهم من آل السنيورة وكل آلات المستقبل في تجيير أملاك سواهم، لتصبحَ ملكَهم وفي تحريف الحقائق وقلب الأمور رأساً على عقِب؟

غريب أمركم أيها اللبنانيون، ألم تسمعوا بأملاك الدولة في صيدا، كيف صارت منذ سنوات عديدة ملكاً لفؤاد السنيورة بعد أن ورثَها من جدّه، الذي قضى رحمه الله منذ عقود دون أن يعرفَ عن هذه المشاعات شيئاً؟

ألم تروا كيف تحوّل وسط بيروت القديمة أو الوسط التجاري كما ينادونه إلى أملاك خاصة بالخليجيين بدل اللبنانيين؟

أليس اللبنانيون جميعاً من أصلٍ عربي صحراوي، حتى يحقّ لأخوانهم الآتين من صحراء العرب امتلاكَ أملاكهم بدلهم وشراءها من “سوليدير”؟

وهل عبارة “سوليدير” الفرنسية أصلاً تعني غير التضامُن، لكن مع الأصول وليسَ مع الفصول؟

وهل مشروع التضامن هذا الذي قامَ بجهدِ مئات الأدمغة، قامَ حتى يحلّل سرقة العاصمة؟

وهل وصل حجم السرقات في أية دولةٍ من العالم إلى سرقةِ نصف عاصمة جديدة وعاصمة قديمة بأكملِها؟

وكيف تحوّلت واجهةُ الوسط البحرية إلى أملاك الحريري؟

أفلأنه بيروتي أبّاً عن جَدّ؟

ولو لم تكن تلك الواجهة موجودة أصلاً بتاريخ بيروت، إنما أوجدتها النفايات والأتربة المرميّة هناك منذ أيام الحرب؟

لماذا تستغربون وتتعجبون بعدها أو تحتجّون حتى من وَضعِ إحدى الشركات “أوجيرو” التابعة للدولة في الأساس، يدَها على شبكة هاتف خليوي جاءت هبةً من الدولة الصينية إلى الدولة اللبنانية؟

ألم تفهموا أن بإمكان تيار المستقبل استعمال هذه الشبكة واستثمارها حتى عن طريق القصر الجمهوري، إذا لزمَ الأمر دون عِلم الصين؟

وهل أنتم بهذا القدر من الذكاء الاقتصادي حتى تقفوا بوجه عباقرتِه؟!

اذهبوا وتعلّموا وادرسوا وتنوّروا، لا زلتم أولاداً في هذه الأمور لا تفقهون منها شيئاً، علّكم تعودون في أحد الأيام وتجدون لبنان بأسرِه قد استُثمِر في مشروع رابح أو وظِّف أسهماً في شركة مزدهرة.

لا تناموا على صكوك ملكيّتكم لأراضيكم فهي مجرّد أوراق، لا تمتُّ للواقع بصلة.

لقد سُرقت فلسطين وسُرقت معظم ثروات العراق وها لبنان يُسرق والحبل على الجرار.

كونوا واقعيين واعترفوا بالواقع ولا تتجنّوا أو تتهموا زوراً أو تلفّقوا، فاشكروا ربّكم أنه مسموحٌ لكم العيشَ في لبنان.

                                حلقة الدبكة

إذا كان اتهام ألف جهة وجهة بمقتل رفيق الحريري، يهدفُ إلى إحداث انقلاب في البلاد كما جرى، والتفرّد بالسلطة أو الهيمنة عليها.

وإذا كانت الاستفزازات التي سببت السابع من أيار غير محسوبة ميليشوية عند مسببيها.

وإذا كان ارتكاب مجزرة واضحة بحق القوميين في حلبا، لا قيمة له عند مرتكبيها.

وإذا كان وقوع عشرات حوادث الاعتداء لمختلف الأسباب، لا تؤثر لا من قريب ولا من بعيد على ضمائر المعتدين.

وإذا كان للعصيان الذي جرى في المبنى التابع لوزارة الاتصالات، علاقة بما جرى وقد يجري من أحداث في لبنان وفي سوريا أيضاً.

وإذا كان خبر مراقبة اتصالات الساحل السوري لتلطيف الوقع، لأن العاصمة دمشق أقرب إلى بيروت من الساحل والموضوع متعلّق بترددات وموجات هوائية معيّنة.

وإذا كان ما كُشف من تحقيقات عن ضلوع شخصيات من تيار المستقبل في ما جرى من تهريب سلاح ومن تمويل لفتن وحوادث أخيرة، صحيحاً لا بل مؤكداً دون أدنى ريب.

وإذا كانت الجهات الأُخرى الضالعة في أحداث سوريا، غير مستعدة للتورط وحدها دون وجود خطة متكاملة للمنطقة، وجهات خارجية داعمة بالطبع لهذه الخطة.

بصرف النظر عما يجري هناك، لأن الشعب السوري الموزّع بين موالاة ومعارضة هو وحده المعني بموضوع بلاده حتى الآن، مهما وقع من مواجهات ومن خسائر.

وإذا تبينت العرقلة في تأليف الحكومة ناتجة عن المقاطعة، بسبب القناعة الراسخة لدى فريق 14 آذار بحدوث انقلاب ووقوف جهات طبعاً وراء هذا الانقلاب، لا بدّ من قلبها بدورها.

وإذا تكرر مشهد الدولة اللبنانية العاجزة كل بضع سنوات، والتي لا بدّ من إنقاذها من عجزها أو إنقاذ لبنان بالحد الأدنى منها أو من عجزها، طالما أن الشعب اعتادَ أن يمشّي أمور البلد دون تدخل الدولة ودون قيامها بواجبها.

وإذا كشف الرئيس الأميركي أوباما عن خيارات أميركا الاستراتيجية حيال إسرائيل، فيما اعتقدت سذاجةُ بعض العرب أن الرئيس في أميركا كالرؤساء العرب بيده مفتاح التغيير في القرارات الأساسية والاستراتيجية.

وإذا تبين أن نتنياهو كشف بدورِه ونهائياً عن عدم رغبة إسرائيل بالسلام مقابل التنازلات، فيما كان رؤساء الوزارات الذين جاؤوا قبله يناورون حول الموضوع لسنوات ويدفعون بالعرب لاستجداء السلام.

وإذا اتّضح أن السياسيين في لبنان ليسوا أولاداً ولا يلعبون بلعب الأولاد، ولا يخطون أية خطوات إلى الأمام دون وعود وضمانات، كما جرى من قبل لا سيما في الثمانينيات.

ألا ترون معي أن احتمال عقد حلقة الدبكة بات قائماً؟؟

                               التآمر

إن التآمر على قادة الأمة الفعليين لا الشكليين طيلةَ تاريخها، والتآمر على أبطالها الحقيقيين ممن حموها وأنقذوها ورفعوا من شأنها.

كما التآمر على قيمِها وتراثِها الفكري والروحي وعلى مواردها وثرواتها وأراضيها وممتلكاتها ووحدتها ومصير أجيالِها وكل ما تكتنفهُ وتحتويه من بشرٍ ومواد وحضارة.

هو واقعٌ لا يمكن تجاهله لأنه مستمرٌ حتى يومنا هذا، ولا يقتصرُ على الخارج، بل لا يمكن لأية جهة خارجية التأثير على الداخل دون عون ومساعدة ومؤازرة.

هذا إن لم يكن التآمر داخلياً صرفاً بسبب الطمع وجنون العظمة وحبّ الوصول.

وإلاّ فمن قرر أن هذه العوامل البشرية تأتي فقط من الخارج؟!

أليست كل هزائمنا بسبب وضعنا الداخلي الرديء؟!

لو خيرتموني الآن بين محاربة العدو بلا هوادة ومواجهة الخصوم السياسيين الخارجيين والداخليين أو إصلاح الوضع لتعزيز الموقف الداخلي وتقويته أمام أي عوامل خارجية أو داخلية، لوجدتُ الخيار الثاني أفضل وأمثل لتحقيق أهدافنا وطموحنا وعزّنا في المستقبل، بالرغم من تلازم الخيارين .

فهل يأتي في بال أحد أن نبوخذنصر وسرجون وهنيبعل وأحيرام في القديم، وأنطون سعادة وحسن كامل الصباح ومعروف سعد في العصر الحديث وفخر الدين ويوسف بيك كرم وطانيوس شاهين بينهم، والمئات غيرهم، قد قضوا شهداء بناء على هذا التآمُر، وقد عانوا الأمرّين قبل استشهادِهم، فيما ينظرُ البعضُ إلى هذا الطرح باستخفاف وسخرية وكأنه عالِمٌ بخفايا وظواهر الأمور وكأنه يمتلكُ اليقين ويعرفُ حقيقةَ ما جرى ويجري؟!

فإذا لم ترغبوا باستعمال عبارة التآمر، استعملوا ما شئتُم من العبارات، كالتنافُس والتسابُق والتفوّق والمزاحمة، لكن دعوا العقائد جانباً ودعوا أفكاركم وآراءكم جانباً أيضاً، وانظروا إلى الواقع ولو للحظة، وتخيلوا معي تاريخ هذه البلاد، كيفما أسميناها وكيفما رسمناها وحددناها وعرّفناها.

                            أيها اللبنانيون

لقد كلَّفتكُم الحربُ الأهليةُ وغيرُ الأهليّةِ، التي دارت رحاها على أرضِكم، خسائرَ بشريَّةً وماديَّةً مازالت غيرَ مُعلنَةٍ رسميّاً، ومازالَ السياسيونَ والمسؤولونَ يميِّعونَ، أو يغيِّبونَ الأرقام، ويخلطونها ببعضِها، حتى لا تظهَر فداحةُ المأساةِ أمامكم وأمامَ العالمِ على حقيقتِها، وحتى يحافظوا قدرَ الممكن على ثقتِكم بهم وبإدارتِهم، وعلى امتيازاتِهم، ومواقِعهم النسبيَّة، ومستقبل أبنائهم.

لقد تناسى أكثرُهم حقوقَكم عليهم وشراكتَكم بالوطن، إلاَّ شكليّاً.

واتَّضحت أكثريتُهم تلك مهتمَّةً بحفنةِ قتلاها دون سواها، فيما أدارت دفَّةَ الحربِ، وكانَ من بينها أمراؤها ومُشعلوها.

أسقطوا حقوقَكم بالاقتصاصِ من قتلتِكم، ودفعوكم عنوةً عن رغبتِكم إلى المسامحةِ عن جرائمَ مُعدَّةٍ ضدَّ الإنسانيةِ، عبرَ قوانينَ مُركَّبةٍ وغيرَ عادلةٍ.

بينما تمسَّكوا بحقوقِهم ومصالِحهم إلى درجةِ الثأرِ وإنزال كلِّ العقوبات، بمن يعارضُها أو يقفُ بوجهِ تجاوزاتِهم وصفقاتِهم.

فكيف تريدونَ من هؤلاءِ المنتمينَ إلى ذاكَ المُناخِ الفاسدِ والظالمِ، مهما تنوَّعوا أو توزَّعوا الأدوارَ، أن يتمكَّنوا باللامنطقِ الذي يتشبَّثون بهِ وبالمعادلةِ المنحرفةِ، التي يسعونَ لحكمِ البلادِ من خلالِها، أن يضبطوا الأوضاعَ كافَّةً ويحسِّنوها؟!

ألا تسمعونَ أقوالَهم؟ وكيف لا، وهم يتحفونكُم بها يومياً، لا بل على مدارِ الساعات؟!

ألا ترونَ أفعالَهم؟ وكيف لا، ونتائجُها تُترجمُ يوماً بعد يومٍ على الأرضِ وأمامَ ناظرِكم؟!

هل يجوزُ أن يُبرَّأ من استقصدَ الأبرياء والآمنين بالذبحِ والقنصِ والسياراتِ المفخَّخة؟!

وأن لا يُبرَّأ من استقصدَ خصمَه من بين المتحاربين في أوقاتِ الموتِ والصراع؟!

هل يُعقَلُ أن يُعفى من قَتَلَ. بشكل همجيٍّ. آلافَ الأطفال والأبرياء؟!

وأن لا يُعفى من استهدفَه، أو استهدفَ أحدَ أفراد البيوت السياسية، لأسبابٍ سياسية؟!

وهل يُعقل أن يُعفى من تمادى بالاغتيالاتِ والتفجيراتِ وبالمجازرِ الجماعيّةِ، وأن لا يُعفى من أنقذَ البلادَ من الهجمةِ الإسرائيليةِ المدعومةِ أميركياً؟!

كم قتيلاً سقطَ في ذاك الوقتِ، وكم مخطوفاً غُيِّب، وكمّ مبنىً دُمِّر وكم عانى الناسُ؟!

ألم يعُد في أذهانِهم من كلِّ ذاك المشهدِ، غيرُ اغتيالِ بشير الجميِّل الذي ساهمَ بشكلٍ أساسيّ وفاعلٍ في إحلالِ المأساةِ؟!

ألا يرونَ كيفَ عاشَ بعد ذلك المجتمعُ في لبنان، وبعد رحيلِ أخيه الذي من طينتِه، في حالٍ مزدهرٍ ومقبولٍ بالرغمِ من النواقصِ والعيوبِ، التي نتجَت عن عدمِ توقُّفِهم عن ممارسةِ مساوئهم بحقِّ الوطنِ واقتصادِه وكينونتِه، بعد أن لحقَهُ ما لحقَهُ من خرابٍ وانهيار؟!

فعاودوا بعد زمنٍ ودونَ أيّ خجلٍ أو ارتداعٍ، إحلالَ مصائبِهم بحقِّ القومِ تحتَ مختلفِ الحججِ والمبرراتِ!

وهل يجملونَ أو يخلطونَ بعدَ الأرقامِ، كلَّ الاعتباراتِ والأشياءِ ببعضِها؟!

وما جرى أثناءَ الحربِ، بالجاري اليومَ أثناءَ السِّلمِ؟!

وهل تشبهُ تلكَ القوانينُ الساقطةُ أخلاقيّاً وشرعيّاً، ما ابتدعوهُ من قوانينَ عمَلٍ لاحقةٍ لها، رمَت نسبةً مرتفعةً لا تقلُّ عن الثلثِ، من عمَّالِكم وموظفيكم في الشارع؟!

فهل كنتم تعلمونَ أنَّ الأرقامَ الصريحةَ، تشيرُ إلى سقوطِ 203 آلاف ضحيَّة من بينكم؟! ومنها 53 ألفَ مفقودٍ مرميين في 430 مقبرةً جماعيةً، لو أضفناهم إلى 150 ألفاً اعترفوا بهم رسمياً؟!

وبأنَّ هناك مليونَ جريحٍ أو مُصابٍ؟!

ومليون وسبعمئة ألف مهجّر من منزلِه؟!

وخسائرَ مادية تُقدَّرُ بعشراتِ ملياراتِ الدولارات؟!

إنَّ الوضعَ لم يكنْ يوماً طبيعياً، حتى نقولَ إنه لم يعُد يُطاقُ الآنَ.

ونحنُ من هذا الموقِع نناشدُكم أن تعيدوا النظرَ في ما قُلناه، وأن تشدُّوا على أيدي بعضِكم وتسقطوا نظامٍ طائفي وفئوي كهذا، قبلَ أن تزدادَ الهوةُ اتِّساعاً بينكم أو تنحَى الأمورُ نحوَ مزيدٍ من الخسائر، التي قد لا تُعوَّض.

                              العرب والغرب

لا أظن أن أحداً يستطيع الإنكار في أن الغرب الذي ساهم بإنشاء الحركات السلفية والجهادية والتكفيرية، عاد وساهم في ضربها عسكرياً وإضعافها إلى حدّ قريب من الإنهاء، ما يعني أن ليس كل ما تفعلُه الدول الغربية سيئاً بالمطلق، إلاّ إذا لم يعرفْ العرب كيفية التصرّف وكيفية التعامل مع الأحداث ومعها، بما يخدمُ المصالح العربية.

كما لا أظن أن أحداً يستطيع الإنكار في أن كل الدول العربية بلا استثناء تعاملت مع الدول الغربية إلى أقصى الحدود، مما حدا ببعض العرب للارتماء في أحضانها، وعندها لن يُلام الذي نرتمي في أحضانه على ما يفعلُه بنا.

                             خطأ عربي شائع

هناك خطأ قديم وشائع بين العرب وينسحب على شعوبهم المتواجدة في دولهم، كما على قادتهم من مختلف المستويات.

وهو أن كل عربي ينصح العربي الآخر، بما يراه مناسباً له من وجهة نظرِه، دون أن يقيمَ وزناً لرأيه كمعني بالأمر أكثر من سواه.

وقد حصلت أزمات شرعية التمثيل للشعوب والقضايا، كما أزمات سياسية كبيرة، انعكست حتى على اجتماعات القمم العربية ووزراء خارجيتها ومندوبيها ألف مرة.

فيما لو تريثنا قليلاً لنرى حقيقة ما يريدُه كل شعب منا أو أكثريتُه بالحدّ الأدنى، لتفهَّمنا ربما مطالبَه المحقَّة النابعة من حاجته، ريثما أقرّينا بها وبإدراكِه لواقعه الخاص المختلف عن واقعنا، ولتفادينا بالتالي معظم الخلافات في وجهات النظر.