لا تُحقَّق الحريةُ ولا تُصان إلاَّ بتكريس العدالة
Liberty is never attained and preserved unless justice is done
لا تُكرَّس العدالة في المجتمع دون تشريعٍ صالح
Justice in society is not settled if deprived of righteous legislation
لا يُحافظ على الحريات وعلى الحقوق الفردية والجماعية بظلِّ تغييب القوانين
Individual and collective liberties and rights are not protected under covered laws

كيف التعامل مع سياسة أميركا؟

بعدما وعدَت بريطانيا – العُظمى آنذاك – اليهود عبر اللورد بلفور بفلسطين وطناً قومياً لهم، وتراجعَ نفوذُها المستعمر، لتحلّ الولايات المتحدة مكانها في نيل المرتبة العُظمى، أمسى (اللوبي) اليهودي في التركيبة الأميركية مسيطراً ونافذاً ومؤثراً بعمق على سياسة الولايات المتحدة الخارجية حيال الصراع العربي – الإسرائيلي.

وعندما لم يكن هناك (لوبي) عربي متّحداً وقادراً على الوقوف بوجهه، انتهجت أميركا سياسة خارجية موالية لإسرائيل وداعمة لها إلى درجةٍ أُطلق معها لقب “الطفل المدلل.”

وهذه الظاهرة لا وجود لها في أي مكانٍ أو زمانٍ أو وضعٍ شبيهٍ آخر حول العالم.

وعندما شرعَت الدول العربية كافّة في بناء علاقات مميزة مع القوة العُظمى أو الجبارة الجديدة، وجدت نفسَها أمام خيارين:

  1. إما الموافقة على الأمر الواقع وكسب علاقة مميزة بابنة أوروبا الجديدة المولودة حديثاً بقوةٍ لا تُضاهى.
  2. أم معاداة هذه القوة بسبب موقفها من الصراع العربي مع إسرائيل، ما لا يصبّ في خانة خدمة مصالح هذه الدول وثباتِها وعلاقاتها الدولية.

ولمّا كان هاجسُ النظام العربي بشكلٍ عام المحافظة على ذاتِه واستمرارِه دون السقوط، اختارَ العرب السيرَ بمسار العلاقة مع أميركا مع ما يفرضُه هذا المسار من شروط باتت تضيقُ وتتعقّد أكثر فأكثر، حتى غدت تلك الدول العربية ساحةً للمصالح الأميركية بنفطِها ومواردها وبشرها وقواها، بدل أن يكون العكس وتكون الاستفادة من هذه الدول النامية والناشئة على حساب الجبار الجديد.

والذين عاكسوا هذه القاعدة في التاريخ العربي الحديث بنسبٍ متفاوتة وأزمنة متراوحة، نالوا جزاء الاعتراض على كتابة أميركا للتاريخ العربي والعالمي الحديث.

ولا حاجة بنا لذكرهم لأنهم معروفون عند العرب ومرفوضون عند أكثرهم إلى درجة التآمر على حياتهم، وليس فقط على أهدافهم أو على تسجيلِهم لمواقفهم المُشرّفة.

أما ما شاهدناه في المرحلة الأخيرة من الولاء العربي لأميركا، فلقد تطوّر أكثر إلى درجةٍ أمست الولايات المتحدة فيه تقررُ مصيرَ بعض الدول العربية، لا سيّما الحليفة حالياً أو سابقاً لها.

فإذا فقدنا كفّتي الميزان المُرجِّح لأي تغيير في السياسة الأميركية حيال مصالحنا ووجودنا المتمثّلتين في الداخل الأميركي والداخل العربي، لم يبقَ أمامنا سوى انتهاج نمطٍ مقاوم لتلك السياسات المغلوطة والمدمرة والمسيئة بحقّنا.

ومن هذا المنطلق توافرَ في لبنان كساحة سياسية وأمنية مفتوحة أكثر من سواها في المنطقة العربية، طرفان متناقضان تماماً ومتواجهان حول خياراتهما، تلخّص بهما صفُّ ألدّ الأعداء لسياسة أميركا ومصالحها، وصفُّ ألدّ الحلفاء والعملاء لمصالحها ولتلك السياسة، حتى إنّها لم تخضْ في خياراتِها وحروبها وخططها وتكتيكِها دون استشارة هؤلاء الحلفاء أو العملاء حسب درجة أهميّتهم.

وبعد هذا التحليل يمكن طرح السؤال الآتي:

ماذا يمكن أن نفعلَ حتى نغيّر إلى حدّ ما سياسة أميركا في المنطقة العربية، وإذا تعذَّر أيُّ تغيير فماذا يمكن أن نفعلَ حتى نعيقَ أميركا من التأثير بسياستها على مجريات الأمور، ونحقق بالتالي أهدافاً لصالحنا على حساب مصالح أميركا وابنتها المدللة إسرائيل؟

وهنا يمكن أن نجتهدَ في الإجابة على أن نلتزمَ بإجاباتنا وقناعاتِنا في هذا الإطار ولا نتقاعس عنها أو نهملَها، لأن التدخّل الأميركي يتابعنا في تفاصيل حياتنا اليومية ولا يدعنا وشأننا كما يعتقدُ البعض، بل نعيشُ زمناً تقررهُ أميركا ولا نقرره نحن، وجلّ ما نفعله إذا لم نأتِ بأفعال حقيقية وجذريّة وصادقة لتغيير مجرى التاريخ ولو آنياً، يكون كالعادة في قراءة صحف وأخبار الأمس، التي تندرجُ في سياق التاريخ الماضي والمدوّن ولو قبل ساعة أو أقلّ من ساعة.

وهذا الأمر ليس مستحيلاً بل تحقق مرات عدة عايشناها بتفاصيلها، ولولا صمودنا بوجه أميركا وغطرسة إسرائيل معها، لما استطعنا إفشالَ بعض مشاريعهما المخططة والمقررة والمُعدَّة للمنطقة، ولمَا كنّا اليوم في الوضع الصامد والمقاوم الذي نحن فيه.

لكن لا تظنوا للحظة – حتى نبقى ضمن الواقع – أنّ السياسيين أو المسؤولين التابعين لأحزاب وقيادات ودول، ومهما أشهروا عداءهم لعدوّكم، سوف يؤازرونكم حقاً فيما تقررون القيامَ به، لأنهم مندرجون جميعاً في المشهد القائم ولا حول لهم أو قوة بهم، إلاّ بالكلام والوعود. والذين سوف يبادرون منهم أو يتجاوبون، ويكلفونكم القيامَ بأي عمل أو يدفعونكم إليه ويشجعونكم، بصرف النظر عن طبيعة العمل، سوف يتخلّون عنكم بعده وينكرون علاقتهم بكم، إلاّ ربما إذا تبيّن مسالماً تماماً وخاضعاً لمعايير الديمقراطية الأميركية.

فليست أمتنا في حالٍ من الحياة والتقدّم والسيادة، حتى تعترفَ ببطولاتكم أو تحميكم، بل عليكم العمل بالسرّ دون اللجوء إلى العلن حتى لا تفشلوا بمواجهتكم لأعدائها الكُثر.