حوار مع الرواد
* بداية أين هو حبيب الشرتوني؟
قد أكون في أي مكان من العالم وقد لا أبقى في المكان عينه فترةً طويلة، ولكن لماذا أنا متنقل وخارج بلدي أو حيث يجب أن أكون وحيث يمكن أن أتفاعل مع الناس وأن أعبّر عن رأيي بحرية كما يفعل الجميع؟
وهنا مكمن السؤال الذي لا أجدُ جواباً عليه بغير القول: إن لبنان ليس دولةً بعد ليعطي للقوانين وللناس حقّها، بل ما زال مفهوم المزرعة السياسية قائماً وفاعلاً بما يُدعى – من باب التجميل – بائتلاف العائلات السياسية اللبنانية.
وكأنّ وطناً بكاملِه يقوم عملياً لا ظاهرياً على مزاج ومصالح وطموح عائلاتٍ معيّنة، وليس على القواعد العلمية والسياسية والاجتماعية أو الدستورية والقانونية المتعارف عليها، التي تقوم على أساسها دول العالم.
فهذه العائلات السياسية التي تتحكم بمصير لبنان وكأنه ملكٌ لها، فعلت به ما لم يكن ليفعله أحدٌ من أبنائه المنتمين إلى مختلف العائلات اللبنانية الطبيعية لا السياسية. وإذا عدتَ إلى تاريخنا الحديث، فسوف تقرأ في صفحاته الويلات والفضائح والاختلاسات والمجازر والخيانة وما شاكل ذلك، وإذا عدت أيضاً لحقيقة التشريعات والقوانين في لبنان فستفهم تماماً لماذا أنا الوحيد المُغيّب والمطلوب للمحاكمة في آن من كل الذين اشتركوا في الحرب، دون وجه حق، أما إذا قرأتَ في واقع التشبيح والاستبعاد والإلغاء، فستعين لماذا لا يجب أن يُعرف أين أنا.
* هل ندمت على اغتيالك لبشير الجميل؟ وهل تخشى المحكمة الدولية إن أُقيمت لهذه القضية؟
إن عامل الندم يقعُ في حال إقدامِ إنسانٍ على ارتكاب جريمة بلحظة انفعال وغضب غريزيين أو بلحظةٍ أراد فيها نيل شيء لا يناله في الأوقات العادية، وهو شعور ينتاب الذي يقدم على ارتكاب جريمة بدافعٍ شخصي ولغاية شخصية.
أما عند الدفاع عن الوطن والمجتمع والأملاك العامة والخاصة من الاحتلال والتدمير، وعند إنقاذ الشعور الوطني والقومي والإنساني من الذلّ والمهانة، وعند الشعور بالغضب الإنساني المبرر لحظة مقارعة الأعداء أو محاسبة الذين خانوا بلادهم وتعاملوا معهم، فلا مجال للندم على أية خسارة شخصية أو عائلية أو مادية مهما كانت كبيرة ومؤسفة.
والمحاكم الدولية بالتالي أو المحلية على حدّ سواء، فهي غير مؤهلة لمحاكمة الذين دافعوا عن أوطانهم وفق ما يمليه عليهم واجبُهم الوطني وما تسمح به التشريعات والقوانين ويجيزُه الدستور.
أما إذا كان قصدُك المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. فهي أنشئت بعد انقضاء أكثر من خمسة عشر عاماً على انتهاء الأحداث التي جرت بين عامي 1975 و1990 وهي غير معنية بتلك المرحلة التي طويت، حتى قانونياً إلا فيما خصّ اغتيال بشير الجميل الذي بقي عالقاً لأسباب عدة إما معروفة أو غير معروفة بعد، وفي مقدمتها ما جاء في الجواب على السؤال الأول.
* كيف تنظر الى كلام الرئيس أمين الجميل بخصوصك؟
ليس هناك من كلام ذات معنى يمكن أن يُنظر إليه بل هناك أسطوانة تعيدُ ذاتها منذ عام 1994 أي منذ سبعة عشر عاماً، بحيث لم ينفكّ أمين الجميل عن تكرار نفس الأقوال المُشبعة بالعبارات الاتهامية التي تحوّلت بعد المرة الأولى إلى عبارات مُستهلكَة، لأن ليس لديه المزيد ليقولَه ولا يريد في الوقت ذاته التطرّق إلى الحقائق التي أحاطت باغتيال شقيقه ولا إلى الحقائق التي أحاطت بحكمه وأدائه وما فعله من أعمال مشينة بحق لبنان واللبنانيين.
وإلا فلماذا يتّهمُ إعلامياً الحزب القومي والمخابرات السورية باغتيال أخيه ولم يسعَ يوماً للتحقيق مع أحد قياديي الحزب أو ضباط المخابرات بهذه القضية عندما كان رئيساً للجمهورية؟!
* هناك من يرى أأنك من سهّل وصوله إلى قصر الرئاسة؟
لا شكّ أن هذا ما حصل إنما لم يكن هدفي إيصاله إلى الرئاسة، بل إفشال مشروع أخيه الذي يمكن تسميته بالمشروع الأميركي – الإسرائيلي المموّل سعودياً وقتذاك. ولولا وقف هذا المشروع لتغيّرت حتماً معالم المنطقة السياسية والجغرافية عن واقع اليوم، وبدل أن تكون إسرائيل في موقع الدفاع عن الوجود، كانت ربما اليوم في موقع تحقيق مشروعها الأكبر.
أما إذا جيء بأمين إلى القصر بظلّ الاحتلال، وقام بما قام به من صفقات وسرقات وأعمال تخريب – وهذا ليس كلاماً للاستهلاك بالطبع – فهذا الضرر الذي يتحمّل مسؤوليته نواب الأمة، يبقى أقل من الضرر الذي كان سيلحقه أخوه بلبنان وبمحيطه الجغرافي وبكل منطقة الشرق الأدنى.
وإلاّ فلماذا استقبلوه بعد عودته من منفاه بحفاوة وجعلوه في مقدمة الصفوف والتشريفات، لو كان هناك كرامةٌ وطنية ومحاسبة حقيقية؟!
فهل تظن أنه لو نجحت أهدافُ إسرائيل وحلفائها، كان سيحظى لبنان بما حظيَ به بعد تلك المرحلة من عمران وازدهار في أوقات الاستقرار؟
وهل كان حافظ على سلامِه الداخلي وانتمائه العربي وعلاقاته الطبيعية بجيرانِه؟
وهل تظنّ أن سوريا كانت حققت أيضاً ما حققته من تقدم وازدهار وممانعة؟
أو كان الفلسطينيون تمكّنوا من العودة ولو جزئياً إلى أرضهم وأقاموا سلطتَهم هناك؟
* هل ما يجري في العالم العربي هو ثورات أم أنه مؤامرات خارجية؟
يمكن القول إن الثورات قائمة بلا أدنى ريب والمؤامرات قائمة في الوقت ذاته، أي إن العرب أحسّوا من جهة أنهم باتوا ومنذ زمن خارج دائرة التاريخ العالمي وخارج الجغرافيا العالمية أيضاً، وأحسوا أنهم في أوضاع مزرية جداً ومتأخرة عما يجري من تطوّر سريع ومن وحدة ومن اكتساب للمساواة كما للحقوق وللحريات العامة والخاصة في غير دولهم، وهم بالتالي مطالبون بالتحرّك لتغيير هذه الأوضاع.
وما يُسمّى في منطقتنا بالمؤامرة ليس أحياناً غير مصالح تابعة للدول الكُبرى والفاعلة.
فقد نلاحظ كمراقبين أن تنافساً اقتصادياً مهماً بين دولتين كبريين ومصدّرتين للأسلحة ولمختلف السلع والمنتجات التكنولوجية وغير التكنولوجية، قد يتحوّل في دولٍ نامية ومستهلِكة لهذه المنتجات إلى خلافٍ أو نزاعٍ بين طائفتين أو فريقين سياسيين إذا أُريد ذلك، وهذا ما جرى مرات عدة حتى في إحدى الدول الأكثر تقدماً في المنطقة العربية كلبنان.
إذاً كيف يمكن أن نقتنع أنّ وسيلة إعلام تشعلُ فتنة، أو مجموعة دول يمكن أن تحرّك معارضة ضدّ موالاة، لو كان المجتمع محصناً وناضجاً وذات مناعة؟! أو كان حاصلاً على حقوقه كاملةً أو قادراً بالحدّ الأدنى على التعرّف على هويته السياسية والوطنية؟!
فهل بإمكان أحد أن يخلقَ حالة عدم استقرار في بريطانيا أو ألمانيا أو اليابان مثلاً؟
وهذا ما تمرّ به المجتمعات العربية من تأخّر يدفعُ بالأجيال لطلب التغيير في سبيل تحقيق طموحها المشروع والمفهوم خارج دائرة الاقتتال المسلّح وأعمال الشغب بالطبع.
وإذا أردنا التعمّق أكثر في الموضوع يمكن القول: إن النظام السياسي السائد في العالم العربي هو نظامٌ أوروبي في الأصل، لكن لم يُستخدم بالطريقة الأوروبية بل تعطّل فيه دورُ المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية التي يقوم وكنظامٍ ديمقراطي عليها، ليحلّ مكانها نفوذُ العائلة أو القبيلة والأفراد، بحيث انفجر بعد عقودٍ زمنية شكلُ ومضمون هذا النظام، عندما لم يُستعمل بالطريقة الملائمة.
وليس حراكُ الأكثرية “السنيّة” إن جاز التعبير أي اعتماد الحراك بأكثريته الساحقة على الطائفة السنية في أنحاء العالم العربي حيث قام، غير دليل على صحة ما أقول، لأن أهل السنّة ومنذ أن أنشأ الأمويون دولةَ الخلافة الأولى، لم يقوموا بأية حركة احتجاجية أو معارِضة لأي نظام ولم يقوموا بأية ثورات تُذكر، بل كانوا دائماً من أهل السلطة والمال يتجمعون بغالبيتهم في المدن حيث تكثر الأعمال، خلافاً لبقية الطوائف التي لجأ معظم أتباعها إلى الجبال والهضاب لتجنّب الاضطهاد والتهديد، وأهلُ الشيعة هم من شعروا بالغبن وحرمان علي بن أبي طالب من الخلافة فانصرفوا إلى نوعٍ متمايز من أنواع الفقه والاجتهاد وارتدت حركتُهم طابَع الثورة.
أما إذا قصدتِ المؤامرة من جهة ثانية بتحرّك الأوركسترا المؤلفة من أميركا وأوروبا وتركيا وقطر والمعارضتين اللبنانية والسورية ضدّ نظام بشار الأسد تحديداً، فهذا تحصيلٌ حاصل له دلالاته وأسبابه وأهدافه، وهو لا ينفصلُ عن استهداف الحلف القائم بين سوريا وإيران وحزب الله.
* هل تخشى على سورية من الفتنة والحرب الأهلية؟
لم أعطِ أي رأي حتى الآن في الأزمة السورية خلافاً للكثيرين في لبنان لأنني اعتبرتها مسألة داخلية خاصة بهم، ولكن بعد أن تجاوزت الأمور حداً معقولاً وفشل احتواء الأزمة يمكن القول:
إن ما يجري في سوريا اليوم من انقسام في الشارع يشبهُ إلى حدٍ بعيد ما جرى في الشارع اللبناني عشية عام 1975 مع فارق مهم جداً وهو أن الدولة السورية وخلافاً للدولة البنانية آنذاك، تقبضُ على كلّ الموانئ ولا تفتحُ المجال لأي فريق لاستيراد الأسلحة أو إدخالها بما يؤمن للحرب الأهلية وسيلة إقلاع.
أي إن لا أحد ينكرُ وجود انقسام سياسي في الشارع السوري ولا حاجة لوسائل إعلام لبلوغ هذه الحقيقة الواضحة للعيان، إنما لا مجال أيضاً لوقوع حرب أهلية طالما أن الجيش السوري مؤازراً بقوى الأمن قادر على السيطرة على كل الموانئ الجوية والبحرية.
إنما يبقى أن حلقة الحوار في الوقت الحالي مفقودة وهناك فريقان على الأرض، فريقٌ يسعى لاحتواء الأزمة ولاحتواء الحركة الاحتجاجية المعارِضة، وفريقٌ ثانٍ يسعى لإسقاط الفريق الأول دون أن يطالبه بأي شيء لا إصلاحات ولا غير إصلاحات، إنما يطالبه فقط بوقف الحلّ الأمني حتى لا يسقط المزيد من الضحايا وحتى يتعزز موقفه الشعبي.
وفي هذه الأجواء لا يعود مهماً وجود أقلية أو أكثرية مع أحد الفريقين، لأن المسألة لم تعد بالقرعة وبعدد الأصوات في الصندوق، بل أصبحت المسألة في الشارع حيث بإمكان أقلية لا تُذكر ولا تتجاوز المليون من أصل 23 التظاهر والرفض وتعطيل الاقتصاد حتى ينهار وتنهار الليرة معه وربما تنهار الدولة إذا طالت الأزمة.
أما العصابات والأفراد المسلحون ممن يُطلق عليهم تعريف ” المندسّين “، فهم إما عناصر مخربة ومأجورة في الأصل ومطلوبة للعدالة، وإما أناس عاديون حصل حيث هم مقيمون معالجات أمنية وعسكرية أدت إلى ردود فعل تجلّت بتوجيه بعضهم السلاح إلى قوى الجيش والأمن.
* هل أنت مع بقاء سلاح حزب الله؟
إن بقاء أو عدم بقاء سلاح حزب الله لا يخضعُ لموافقة أحد أو رفض أحد، بل هو مرتبط عضوياً بالصراع ما بين العرب وإسرائيل. ولم يبقَ من هؤلاء العرب غير لبنان وسوريا والفلسطينيين لم يتوصلوا بعد لتسوية مع إسرائيل.
وطالما أن هذه التسوية لم يحن وقتها بعد وقد يتعرض لبنان في أي وقت لاعتداءات إسرائيلية، فلا مجال لمناقشة كيفية إلقاء السلاح والاستغناء عنه.
أما بعد هذه المرحلة فليس في نية حزب الله الاحتفاظ به، وفق ما أكَّده مسؤولوه ولا في قدرته ذلك وفق التركيبة اللبنانية وتركيبة المنطقة في حال حدوث تسوية.
أما طرح إزالة إسرائيل من الوجود فهو ليس طرحاً عسكرياً كما يفهمه البعض، بل ذات أبعاد حضارية مستقبلية لها علاقة بمجمل عام، قد أتطرّق للحديث عنه في وقت لاحق.
*ماهو تعليقك على القرار الاتهامي الذي صدر وتضمن أسماء أربعة من حزب الله؟
إضافة لما قيل ويقال عن المحكمة الدولية وتحقيقاتها وإجراءاتها، هناك حقيقة لم يتمّ التطرّق إليها بعد بالقدْر الكافي. وهي أن الجهات السياسية التي أرادت تحويل جريمة اغتيال رفيق الحريري ومن سقط معه وبعده إلى محاكمة دولية وإلى اتهامات سياسية عشوائية، أرادت إعادة السيناريو الذي جرى بين السبعينيات والثمانينيات مع تعديلات ملائمة للزمان وللتبدل الذي جرى في ظروف المنطقة والعالم.
أي إن المؤامرة التي أشعلت حرب لبنان في عام 1975 فشلت في تحقيق كل أهدافها، ما أخمد نيران الفتنة في عام 1990 ولكنها عادت في عام 2005 لتنطلقَ بحلّة جديدة وبتعديلٍ معيّن بغية تحقيق نفس الأهداف الأولى لكن مُعدّلةً.
وبتبسيطٍ أكثر: عندما فشل المشروع الأميركي – الإسرائيلي المموّل سعودياً بتحقيق غاياته بعد إيصال بشير الجميّل إلى سدّة الرئاسة، من خلال إخضاع لبنان والشام وإنهاء المقاومتين اللبنانية والفلسطينية والقضية الفلسطينية معهما، انسحبت الولايات المتحدة من المنطقة وأعطت سوريا وكالة بلبنان.
وعندما فرغت من إدارة شؤون وأزمات البلقان وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، عادَت لتسحبَ الوكالة من السوريين ولتغزو العراق وتعزز وجودها في لبنان.
وعندما اغتيل رفيق الحريري أقلعت هذه العمليّة وأعيدت محاولة فرض شروط شرق أوسطية جديدة على المنطقة بعد فشلها في المرة السابقة. وبالطبع من عاصر المؤامرة الأولى أو المرحلة الأولى بإمكانه مقارنتها مع الثانية وبإمكانه أن يرى البصمات الأميركية والإسرائيلية الواضحة على مسار الاثنتين، من خلال التفاصيل التي عايشها والتي لا مجال الآن لاستعراضِها لكثرتها.
* كيف ترى واقع الحزب السوري القومي؟
لم يعد هناك من حزب سوري قومي حتى نرى واقعاً له، بل إن مشروع الحزب انتهى أساساً مع استشهاد زعيمه ومؤسسه، لأن المشاريع كافة في بلادنا لا تُحقق إلاّ من خلال أشخاص، وشخصانية المشاريع لا تدلّ إلاّ على مدى التخلّف المؤسساتي والاجتماعي الذي نحن فيه. لا بل إنَّ أية إدارة عندنا وهذا أبسط من المشاريع، لا تقوم إلاّ على مديرين وفي حال غيابهم تتوقف تلك الإدارات أو تعجز عن تحريك آلياتها أو تفعيل مؤسساتها وفروعِها وأقسامها.
فالذين قتلوا أنطون سعادة أرادوا قتل مشروعه معه، لكن جلّ ما فعلوه أنهم أخّروا المشروع وأساؤوا إلى مجتمعِهم وإلى أمتهم، لأن هذا المشروع القائم على أسس علمية وليس على أسس وجدانية، سوف يتحقق طبيعياً بعد دفعِ الشعب لفواتير باهظة، ووعيهِ لقضيتِه، وقيامه بواجباته، واستمرار الحياة لوقتٍ كافٍ، وهذه نظرة فلسفية للزمن البعيد الآتي ولا علاقة لها بالسياسة.
أما جماعة أنطون سعادة أو حزبُه فهم انحرفوا عندما كان لا يزال على قيد الحياة وهذا موثّق بتاريخ الحزب، وبعد غيابه ازدادوا ابتعاداً عن مبادئه وأهدافه، حتى صاروا في السنوات الأخيرة حزباً سياسياً بامتياز يخدمُ مصالحَ أفراد سياسيين على الطريقة اللبنانية المعهودة في الحياة السياسية عندنا، ولم يعد لديهم إلا هاجس تمثيل القوميين وتقاضي المال باسمهم وتحقيق المكاسب على حسابهم.
أما في السبعينيات ولغاية الثمانينيات فكان الحزب وبالرغم من كل الوهن الذي أصابه والانقسام الذي حلّ به، بعد مرحلة الخمسينيات في الشام والستينيات في لبنان، يقومُ بجهدٍ عسكري وتنظيمي ويساهمُ فعلياً في المقاومة وفي دحر المؤامرة التي عصفت بالبلاد، ما جعلنا ننتمي إليه ونعمل في صفوفه.
فهذا الموضوع بحاجة إلى مزيدٍ من الشرحِ والتبيان حتى لا يظن أحد أنني أتحامل على الحزبين القوميين الموجودين الآن على الساحة، وحتى لا يبقى القوميون مراهنين على قيادات سياسية هامشية، تتنافسُ على فتات الموائد السياسية.
* لماذا أنت بعيد عن أية مسؤوليات حزبية؟
لست بعيداً عن العمل القومي والاجتماعي والإنساني بشكلٍ عام ولست بعيداً أيضاً عن القوميين الصادقين في انتمائهم، إنما أنا ضمنياً لا ظاهرياً خارج إطار الحزب منذ 1982 لأن قيادة الحزب أرادت ذلك بعد أن حققتُ لها مرادها ونفذت لها ما طُلب مني تنفيذه، فبتّ عبئاً سياسياً كبيراً على طموح أفرادها مهما تناوبوا وتبدلوا.
فلقد تكرّس مناخٌ فاسدٌ في الحزب لا يقلّ فساداً عن أي مناخٍ سياسي أو حزبي آخر في بلادنا.
وقد تمكنت من تحقيق أمور كثيرة خارج المسؤوليات، قدَّمتْ بمعظمها خدمةً عامة أو خاصة، لكن أمتنعُ الآن عن ذكرها لأسباب أمنية.
* كيف تصف علاقتك برئاسة الحزب، وماهي ملاحظاتك على أدائها؟
انقطعت العلاقة الشكلية برئيس الحزب عندما قررتُ قطعها في 1996 أي منذ 15 عاماً بعد ما جرى أكثر مما يمكن وصفه بالملاحظات، وقد حاول إعادتها مرات عدة دون جدوى. وبعدما تبيّن لي وللكثيرين أن هذا الشخص لا يعملُ أبداً كرئيس للحزب بل كحريصٍ على مصالحه وعلاقاته التي ينافسُ الجميع عليها ويرى في المقابل أنه منافَسٌ عليها، بالرغم من تأكيدي له أنه مبروكٌ عليك الحزب.
فلقد حاربني بكل الأشكال الممكنة وغير المُعلنة وأساء أكثر مما يتوقّعهُ أيٌ كان، وأنا جاد في القول:
من الأسهل تأسيس حزب قومي جديد على مبدأ العلمانية التي نحن بأمسّ الحاجة إليها، عوض عن محاولة استرداد الحزب القومي بعد أن شاخَ واستفحلت فيه أمراض المجتمع وأمسى باب رزقٍ لبعض المتنفذين فيه.
حان الوقت ليعي القوميون ومعهم مؤيدو فكرهم أن أمتهم تتجه باتجاه قدرها سواء كان حزبهم موجوداً وفاعلاً أو غير موجود، لأن قواها موجودة وفاعلة وحركة التاريخ فيها لم تتوقف، فبقي عليهم أن يقرروا موقفهم وموقعهم من كل ذلك.
* هل خلاص لبنان بدولة علمانية وفق رؤية أنطون سعاده؟
العلمانية مدرسة عمرها مئتا عام، وهي منذ ذاك الوقت في حال حربٍ فكرية وعملية أي تنفيذية مع رجال وشيوخ الدين الذين يتدخلون في شؤون السياسة والقضاء، بحجة أن هذه الشؤون عامة ومن واجبهم التدخل فيها للإشراف على وضع رعايا وأتباع طوائفهم ومذاهبهم.
ولقد حققت العلمانية ذاتَها في الغرب والشرق الأوروبيين بسبب ما مرّت به القارة من عصور مظلمة سيطرَ فيها رجالُ الدين على المجتمعات التي أخضعوها لصالح الملوك والأمراء والإقطاعيين، أي أخضعوها كسلطات دينية لصالح السلطات الدنيوية.
ولا يمكن وصف الدول الأوروبية اليوم بالدول المسيحية أو الإسلامية بل العلمانية.
أما أنطون سعادة فلديه رؤية أشمل من الموضوع العلماني، وهو يتناول بعمق الشأن الاجتماعي بغاية تحقيق وحدة بلاده المفككة والمحتلة لأجزاء منها، وهذا المنطلق القومي الأساسي تجاوزته فعلياً أوروبا بعد عبورها بمرحلة الوحدات الأوروبية بين القرنين السابع عشر والثامن عشر.
أما فيما يخص لبنان، ووفق تركيبته وما مرّ به من أحداث، لا أرى وبكل بساطة مستقبلاً له خارج الإطار العلماني.
بل قد يتوقف عن الاستمرار كوطن مستقل ذات سيادة، إذا بقيَ غارقاً في نظامه الطائفي المدمّر لكيانِه.
* لماذا تراجع دور السوريين القوميين؟
تراجع دورهم بسبب عدم وجود حزب يحتضنُهم ويدعمهم ويوجههم، بل أمسوا أفراداً مشتتين في الوطن والمغتربات بعد أن كان حزبهم واقفاً منذ الثلاثينيات على مفاصل حوادث عدة كالانقلابات والثورات وحتى الاغتيالات السياسية.
لقد استُهدفوا كحركة مقاومة قبل حزب الله بعقودٍ زمنية وتولّت بعض قياداتهم بالتعاون مع بعض الضباط المزدوجي الولاء إنهاء تنظيمهم وتفكيكه على مرأى من أعين الأكثرية الصامتة.
وكل هذا من أجل حسابات سياسية تبخّرت عندما حان الوقت للحسابات القومية والوطنية.
* هل تتوقع حرباً جديدة في المنطقة؟
لقد توقعت حصول حربين قبل حصولهما بقرابة خمس سنوات في العراق وضد المقاومة في لبنان.
وهذا في جلسات خاصة أمام أصدقائي لأنني لم أستطعْ أن أطلَّ في مقابلات إعلامية.
وأتوقّع منذ حفنة سنوات أيضاً حدوث حرب إقليمية أجهلُ توقيتها، وربما شقّت هذه الحرب طريقها عبر الأزمة السورية، وسوف تكون الأقوى – إن حصلت – بعد الحرب العالمية الثانية.
أما أسباب اندلاعها فهي عديدة، منها فصول المؤامرة التي تطرقنا إليها في معرض الأسئلة والأجوبة، ومنها عدم اقتناع إسرائيل بعد بالسلام مع بقية العرب، وقد أعلنت مواقفها الواضحة بهذا الصدد بعد مسرحية سلامٍ هزلية دامت سنوات طوال منذ مؤتمر مدريد، ومنها الاختلاف الجذري والبنيوي بين طبيعتي النظام الإيراني والغربي عموماً أو الأميركي خصوصاً، ومنها نظرة اليهود التوراتية إلى الواقع الإيراني الجديد الذي يرونه بمثابة تهديد لوجودهم.
وقد يتركّز القصف على منشآت إيران بالدرجة الأولى ثمّ على المنشأت والمواقع السورية بالدرجة الثانية، وفي الأخير على الأهداف التابعة للمقاومة وللجيش في لبنان، ما يعني أن الضغط العسكري الأشدّ لن يكون على لبنان هذه المرة.
* هل تتوقع اغتيالات جديدة في لبنان؟
إن التاريخ اللبناني مسطّر بالاغتيالات السياسية وغير السياسية منذ القديم، ولكن لا أتوقع موجة اغتيالات في الوقت الراهن لأن الجهات السلفية التي ركبت تلك الموجة، لم يعد لديها القدرة على ذلك بعد اكتشاف خلايا الضنية ومجدل عنجر وبعد معركة مخيم البارد التي هدّأت وضع مخيمات الجنوب، وبعد ضبط الحدود السورية – اللبنانية بشكلٍ أفضل.
أما إذا قرر الإسرائيليون اغتيال أحد الأشخاص أو أكثر، فهذا شأنٌ اعتادوه منذ وجودهم في المنطقة.
*ماهي خفايا اغتيالك لبشير؟
تلك التي تسمّيها بالخفايا سوف تظهر يوماً عندما أتمكّن من نشر مذكراتي التي تحتاجُ بعد إلى الكثير من الوثائق وقدرة الحركة حتى تُنجز.
* متى ستعود الى لبنان؟
عندما يصبح هناك قوانين يمكن إطلاق هذا التعريف عليها حتى يصبح هناك عدالة. هذا إذا لم تصدر بعد قوانين لا علاقة للقانون أو للتشريع بها عن المتعاملين مع إسرائيل وربما مع الشيطان أيضاً، فيما اشترك أكثر من 22 نائباً برلمانياً معارضاً وموالياً في آخر سجال عن قانون العفو عن سمير جعجع وسلفيي الضنية ومجدل عنجر، الذي سمّى الجرائم بالاسم وبرقم الملف حتى لا يشملني كما تشملُ بنود القانون في العادة حالات معيّنة، وهذه ظاهرة لم تحصلْ بعد في أية دولةٍ حول العالم، وتشيرُ إلى أي مدى تفرّد لبنان باكتساب صفةَ المزرعة السياسية.