المدرسة الانعزالية
إن أتباع المدرسة الانعزالية في لبنان، التي تدعو بشكلٍ أو آخر أي تحت مختلف الحجج والذرائع وبمختلف الوسائل وبظلّ الظروف مهما تنوّعت، لعدم الاندماج مع مكوّنات المجتمع اللبناني وعدم الاندماج بالتالي مع محيط لبنان القومي والطبيعي في المستقبل، مهما تملّقت وكذبت وناورت في دعواتها وخطاباتها ومواقفها.
والتي فشلت حتى الآن في تحقيق غاياتها من خلال فشل مشروعها، الذي بلغَ ذروته مع اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 وتنصيب قائدها العسكري والسياسي الأبرز رئيساً بالقوة عليه.
والتي كبّدت لبنان ثمناً باهظاً لم يتكبّدهُ طيلة تاريخه، ولو تكلّف ثمناً كبيراً على دفعات جراء الاجتياحات والغزوات والمجاعات، خصوصاً في المرحلة العثمانية.
والتي أفلست كما توقّع أنطون سعادة لها في وقتٍ مبكّر امتدّ بين الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، لأنها خرجت في فكرها وعقيدتها عن المنطق العلمي المرافق لتكوين المجتمعات والشعوب، وعن الواقع الاجتماعي المتمثّل في تشكُّل الأمم على مرّ الزمن فوق الجغرافيا الطبيعية للأوطان، وليس الجغرافيا السياسية التي من صنع البشر.
والتي توازي بتطرُّفها المسيحي المدرسة السلفية التكفيرية في الإسلام، التي تسعى لإعادة المسلمين إلى مرحلة نشرِ الدين وإنشاء الدولة الإسلامية، ليحيوا بظلّ نظامٍ ذي مواصفات وشروط منحرفة حالياً عن الأساس الذي قام عليه الدين وقامت عليه دولة الخلافة، وبعيد بالتالي كل البعد عن المسار التاريخي الذي تجاوز بألفٍ وأربعمئة عام تلك الحقبة، التي تخللها بالرغم من انطلاقها تزامناً مع موت الرسول، خلافات وانشقاقات سياسية في صفوف أتباع الإسلام ومعتنقيه، بسبب حبّ النفوذ والسلطة والسعي لتولّي الحكم والاستفادة من الامتيازات غير المعطاة أصلاً من الإسلام ومن رسوله للذين تعاقبوا على الخلافة، إلاّ في حال عملهم لخدمة الانتشار الديني وتحويل المشركين والوثنيين إلى متدينين، وإقامةِ العدل بين الناس وفرض تعاليم الإسلام السمحاء دون انتقاص أو التفاف.
قد راهنت في المرحلة السابقة على الدفع الذي تلقته من تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري، حتى عادت إلى السلطة بعد نفيها وإقصائها وهزيمتها جراء خوضها مغامرة الحرب وتنفيذ مؤامرتها بالتحالف مع العدو بين 1975 و 1990.
وعندما انحسر التيار وغاب سعد، باتت تراهن على رحيل النظام في سوريا وعلى تحالف ما مع المعارضة السورية، بعد أن تحالفت مع بعض الجهات الغربية والخليجية. بالرغم من أن النظام السوري هو الذي أنعشها بالأوكسيجين بعد أن أوشكت الأحزاب الوطنية بالقضاء عليها نهائياً، بسبب مؤازرته لها في البداية عندما اقتربت من الهزيمة، واتّباعه فيما بعد سياسة عدم الحسم في الصراع الدائر، كما الاحتفاظ بالمسافة عينها من جميع الأطراف، ما أدّى لنسجِ علاقاتٍ في غير محلّها بسياسيين في غير محلّهم.
لكن ما لا تعرفه هذه الانعزالية، هو أنها تقع بمجملها خارج منطق التاريخ وخارج التطور الطبيعي الذي يصيب شعوب العالم، ومنه يستحيل عليها الفوز مهما جرى في الشام، ولو بقي النظام أو حلّ مكانه ألفُ نظامٍ آخر، فلن يجديها أيُّ إصلاحٍ أو تغيير في سورية شيئاً، لأنها في الأصل خارج دائرة أو مفهوم الإصلاحات والتغييرات وأيضاً خارج نظام الحداثة.
فاجتماعُ هؤلاء الانعزاليين من حزبيين ومن مستقلّين ومن سابحين بأجوائهم، وأخذ التيار السنّي المستقبلي غطاءً لهم أو أخذ أي غطاء آخر، لن يفيدهم لا على المدى القريب ولا البعيد، وسوف يلاقون فشلاً بعد هزيمةٍ ليعاودوا الترحال ولعبة الرهانات الطائفية من جديد، لأنهم في الأصلِ مفلسون ومهيؤون للإفلاس.