لا تُحقَّق الحريةُ ولا تُصان إلاَّ بتكريس العدالة
Liberty is never attained and preserved unless justice is done
لا تُكرَّس العدالة في المجتمع دون تشريعٍ صالح
Justice in society is not settled if deprived of righteous legislation
لا يُحافظ على الحريات وعلى الحقوق الفردية والجماعية بظلِّ تغييب القوانين
Individual and collective liberties and rights are not protected under covered laws

الحراك السوري و14 آذار

من أبشَع المشاهد والصور على الإطلاق أن تُركَّب خلفيّة زائفة لتشويه مشهدٍ أو صورة، لأنّ الصورة الطبيعية ومهما كانت قبيحة، تبقى طبيعية. ومن أبشع السيَر والقصص على الإطلاق أن تُحرَّف حقائق ومعاني واضحة، لأنّ القصص ومهما كانت جميلة أو قبيحة تبقى ملتزمة بقصدِ كاتبها. ومن أبشعِ الأعمال على الإطلاق أن يُزوَّر تاريخٌ ويُحرَّف مسارُ شعبٍ وقضيّة للإيحاء بإيحاءاتٍ مغلوطة ومعكوسة، لأن تاريخَ الشعوب ونهاية مطاف القضايا، ومهما آلت إلى فشلٍ أو نجاحٍ أو مآسٍ ومكاسب، تبقى في ذاكرة الناس صفحاتٍ مدوَّنة لا تُمحى.

ويبدو في زماننا المُركَّب والمُفبرك والمليء بالتشوهات والانحرافات، أنّ ثمّة محترفين يقومون بهذه المهام الموكلة إليهم من أسيادهم ومن أرباب أعمالِهم المُشينة.

وبعد المقدمة الموجزَة بجملتين والمعمَّمة على قضايا ومسائل عدّة، أودُّ حصرَ موضوعي في شأن مطروح اليوم بقوة على الساحة الإعلامية والسياسية في لبنان، ولو طالَ سورية أكثر من لبنان، إنما لا يُفهم سببُه حتى الآن بغير ما ذكرتُه في المقدمة، وهو:

كيف أصبحت جماعةُ 14 آذار في الصفّ الداعم والمتبنّي للحركة الاحتجاجيّة المعارضة في سوريا؟!

جميعُنا يعلمُ تمامَ العلم أنّ مدارس 14 آذار على تنوُّعِ تنظيماتها من حزب الكتائب والقوات اللبنانية والأحزاب الصغيرة كالكتلة الوطنية، بعد أن ترأسها كارلوس إده بالطبع وليس قبل ذلك، والوطنيين الأحرار بعدما ترأسهم دوري شمعون، وغيرهم ممن عُرفوا بعدائهم لسوريا كشعب ودولة، ومنذ عشرات السنين قبل أن يُحكى بموضوع النظام القائم والحراك القائم إلى جانبه.

هي مدارس انعزالية بامتياز، قامت على مفاهيم فئوية وطائفية كارهة للمحيط العربي والإسلامي وكارهة حتى لعناصر التنوّع الموجودة أصلاً بداخل المجتمع اللبناني.

ما حملَ غالبيّتها للتحالفِ مع عدوّ البلاد إسرائيل على مدى سنوات، انتهت بسبب فشل هذا التحالف وليس لأي سبب آخر. والمجازر الجماعية والفردية التي ارتكبتها ميلشيات بعض هذه التنظيمات وغيرها من الميليشيات التي انقرضت، كالتي كانت في الشريط الحدودي وحراس الأرز والتنظيم وسواها، خيرُ دليلٍ على ما أقول.

حتى أن المواطنين السوريين تحديداً، أوقفوا بالآلاف ونُكّل بهم وبأجسادهم وعُذّبوا ودُفنوا في مقابرَ جماعية في الكرنتينا وغيرها من المواقع، ولم تكن تهمتُهم أبعد من كونهم سوريين، وهذه أمورٌ يشهدُ عليها اللبنانيون من ذاك الجيل بعد أن عاشوها.

فلو كان النزاعُ قائماً وقتذاك بين الجيش السوري وهذه الميليشيات وعلى رأسها القوات اللبنانية بالطبع، لما فتكَت هذه القوات بالمدنيين السوريين آلاف المرات.

أما أن يجلسَ ممثلو هذه الأحزاب اليوم مطالبين بالحرية والكرامة للشعب السوري؟!

فهذا ما قصدتُه تماماً في المقدمة، حتى لا تضيعَ البوصلة ويصدّق أيُّ معارضٍ في سوريا، أنّ هؤلاء حلفاء له من قريب أو من بعيد.

وإذا ضممنا الجدُد لصفّ هؤلاء ومن بينهم أو في طليعتهم تيار المستقبل، لأن الآخرين مستحدثون وغير بارزين على الساحة السياسية والتنظيمية. نجدُ أن القائدَ الوريث لهذا التيار الذي زكّى الطائفية في وسط السنّة، حتى يزكّي شعبيّته الانتخابية ويزيدَ من عدد نوابه ووزرائه على الطريقة اللبنانية، وجدَ نفسَه في نهاية المطاف جالساً إلى جانب أحزابٍ اعتمدت هذا الأسلوب منذ نشأتها، ورمَت البلادَ والعباد في أتون الحروب الطائفية غير المجدية.

ولولا العداء الذي حملَه منذ ذاك الوقت تيار المستقبل للسوريين كمجتمع، قبل أن يحملَه للنظام، لما ركبَ موجةً مؤلفة من المصالح الأميركية والرؤى السعودية والمواقف الغربية المعادية لتحالفِ إيران وسوريا وحزب الله، ناسياً ما فعلته هذه المواقف من خلال اجتياحات إسرائيل ومحاولة تغيير خريطة المنطقة.

ولما اتَّهم لسنوات دمشق باغتيال أبيه قبل أن يبدأ أيُّ حراكٍ في العالم العربي، وأدّى ذلك إلى تنمية الكراهية ولو مؤقتاً بين البلدين وتعطيل التبادُل الاقتصادي والعام.

إذاً يبقى القول: إن رهان تجمّع 14 آذار على الادّعاء بتبنّي مواقف المعارضة السورية، على أملٍ بفوز هذه المعارضة على غرار بعض المعارضات في دولٍ عربيّة أُخرى، حتى يعوِّضَ التجمّع فشلَه السياسي والإداري، وصفقاتِه الفاسدة والمكشوفة، ورهاناته الخاسرة التي حملَها في السنوات الماضية التي حكمَ خلالها لبنان، وحتى يعودَ ليحكمَ بهذه الطريقة (التشبيحيَّة) والمقامِرة مرةً ثانية.

هو رهانٌ مشوِّهٌ للحقائق ومستقلٌ تمامَ الاستقلال عن الأزمة السورية بكلّ أطرافِها وأطيافِها والأسباب التي أدّت إليها، ومستقلٌ حتى عن مواقف الأحزاب اللبنانية على اختلافها حيال الأوضاع في سورية.

ومدعاة سخرية أيضاً، إذ لم نلاحظ حتى الآن أيَّ تجاوبٍ من المعارضين السوريين البارزين مع أحزابِ هذا التجمّع، السائر في ركب الدول المناوئة بمصالحها ومواقعها السياسية والاستراتيجية لمصالح الشعوب العربية والإسلامية.