لا تُحقَّق الحريةُ ولا تُصان إلاَّ بتكريس العدالة
Liberty is never attained and preserved unless justice is done
لا تُكرَّس العدالة في المجتمع دون تشريعٍ صالح
Justice in society is not settled if deprived of righteous legislation
لا يُحافظ على الحريات وعلى الحقوق الفردية والجماعية بظلِّ تغييب القوانين
Individual and collective liberties and rights are not protected under covered laws

إعترافُ المقاومة بذاتِها

لقد نشأت المقاومة الوطنية في الشرق الأدنى عموماً مع بدايات الاحتلال الاستعماري للأرض وهجرة اليهود، وبرزَ من بين صفوفها قادةٌ ووجوهٌ وأحزابٌ تميّزت نسبياً عن سواها من خلال أدائها المميز واستبسالِها، وبنائها القومي والعقائدي.

ثم استمرت حركةُ المقاومة في لبنان تحديداً أكثر من ستين أو سبعين عاماً، حتى ظهرت فعلياً لا شكلياً المقاومة ذات الخلفية الإسلامية، لتكملَ المسار المقاوم وتؤدّي قسطها للعُلى.

فاستفادت بالطبع من المناخ المؤاتي والمتمثّل بإخلاء الساحة لحرية حركتها، بعد تعبِ الأحزاب الوطنية وتقديمها لآلاف الشهداء، والمتمثّل أيضاً بالخبرة العريقة الموروثة عن أجيال مقاوِمة ولِدت وعاشت بظلّ كيانٍ محتل ومشاريع معادية واجتياحات واعتداءاتٍ متكررة، كما استفادت من تمويلٍ خارجي وصديق أمّن لها السلاح والعتادَ والتقنيات اللازمة، بظلّ تعقُّد شروط المواجهة أكثر فأكثر، بسبب تطوُّر التشكيلات العسكرية المعادية وتقدُّمها في مجال مكافحة عمليات المقاومين التي تستهدفها.

وبالرغم من اعتراف المقاومة الوطنية بكلّ أطيافها وأحزابها ودون أي تردد، بنشوء المقاومة الإسلامية، أي التي تستلهمُ من الدين الإسلامي الحوافز العقائدية الآيلة للأهداف الوطنية ذاتها، امتنعت المقاومة الإسلامية وفي مراتٍ عدة من الاعتراف بحقيقة التاريخ المقاوم، ولولا تعرّضها لضغوط معادية وشديدة في أحيان، لما ذكرت بوضوح ربما وجود حركات مقاومة سبقتها وكانت قبلها.

وحتى أشير إلى بعض الأرقام المفيدة التي تبيّن صحة طرحي، أكتفي بذكر الأرقام المُعلنة للجيش الإسرائيلي منذ بدء اجتياح عام 1982 وبلوغهم مشارف بيروت، بحيث أعلن الإسرائيليون عن مقتل 300 جندي واحتياطي لهم وجرح خمسة آلاف ودخول 800  مستشفى للأمراض العقلية خُصص لهم شمال تل أبيب.

والجميع يعرف أن المقاومة الفلسطينية لم تستطع بسبب ظروف انسحابها من الجنوب لحماية المخيمات في بيروت، وانسحابها بعد ذلك من لبنان، أن تواجه الاحتلال بالمقدار الذي واجهته المقاومة الوطنية، وحركة أمل من بين فصائلها.

وعندما بدأت عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) مع حلول عام 1983 وتصاعدت تدريجياً وتيرتها، وقبل الظهور الفعلي أو الكامل للمقاومة الإسلامية التي كانت ما زالت تنظّم صفوفها، بالرغم من مشاركتها ببعض العمليات النوعية والمهمة، وقعَ أيضاً الجهدُ العسكري الأكبر على الأحزاب الوطنية حتى توقّفت الحرب في لبنان مع حلول عام 1990.

فانسحبت إسرائيل قبل هذا التاريخ حتى الجنوب معلنةً عن سقوط 700 جندي لها وقرابة الألفي جريح إضافي.

وعندها تولت المقاومة الإسلامية شبه منفردةٍ استكمال الجهد المقاوم، حتى أعلنت إسرائيل عند إقفالِها بوابة فاطمة وكل بوابات الحدود عن خسارتها 1000 جندي في لبنان.

ما يعني ببساطة أن الأحزاب الوطنية أوقعت لها قرابة الثلثين من خسائرها، فيما أوقعت المقاومة الإسلامية لها الثلث المتبقي. وإن شكّكنا في هذه الأرقام فأنا أوافق على القول: إن المقاومة الوطنية أوقعت النصف، فيما أوقعت المقاومة الإسلامية النصف الثاني.

ولكن متى سيقتنع المقاومون على اختلاف خلفياتهم العقائدية أن الاعتراف بالمقاوم الآخر الذي كان قبلاً أو بعداً أو في أي زمنٍ كان، هو اعترافٌ بالذات المقاومة وهو مصدرُ قوة للمقاومة لا ضعف؟!